الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
256
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ( 1 ) ( 2 ) . هذه العين من الشراب الطهور وضعها الله تعالى تحت تصرفهم ، فهي تجري أينما شاءوا ، والظريف هو ما نقل عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) إذ قال في وصفها : " هي عين في دار النبي تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين " . نعم فكما تتفجر عيون العلم والرحمة من بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتجري إلى قلوب عباد الله الصالحين ، كذلك في الآخرة حيث التجسم العظيم لهذا المعنى تتفجر عين الشراب الطهور الإلهي من بيت الوحي ، وتنحدر فروعها ، إلى بيوت المؤمنين ! " يفجرون " : من مادة تفجير ، وأخذت من أصل ( الفجر ) ويعني الشق الواسع ، سواء أكان شق الأرض أو غير ذلك ، و " الفجر " نور الصبح الذي يشق ستار الليل ، وأطلق على من يشق ستار الحياء والطهارة ويتعدى حدود الله ( فاجر ) ويراد به هنا شق الأرض . والملاحظ أن أول ما ذكر من نعم الجنان في هذه السورة هو الشراب الطهور المعطر الخاص . لكونه يزيل كل الهموم والحسرات والقلق والأردان عند تناوله بعد الفراغ من حساب المحشر ، وهو أول ما يقدم لأهل الجنان ثم ينتهون إلى السرور المطلق بالاستفادة من سائر مواهب الجنان . ثم تتناول الآيات الأخرى ذكر أعمال " الأبرار " " وعباد الله " مع ذكر خمسة صفات توضح سبب استحقاقهم لكل هذه النعم الفريدة : فيقول تعالى يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا . جملة ( يوفون ) و ( يخافون ) والجمل التي تليها جاءت بصيغة الفعل المضارع
--> 1 - وردت احتمالات عديدة في سبب نصب ( عينا ) وأوجه الأقوال هو أنه منصوب لنزع الخافض وتقديره ( من عين ) وقيل بدل من ( كافورا ) أو منصوب بالإختصاص أو المدح ، أو مفعول لفعل مقدر والتقدير ( يشربون عينا ) ولكن الأول أوجه كما تقدم . 2 - " يشرب " : يتعدى بالباء وبدونها ، ويمكن أن تكون الباء في ( بها ) بمعنى ( من ) .